احسان الامين
146
التفسير بالمأثور وتطوره عند الشيعة الإمامية
وقد كان يكون من رسول اللّه ( ص ) الكلام له وجهان : فكلام خاص وكلام عام ، فيسمعه من لا يعرف ما عني اللّه - سبحانه - به ، ولا ما عنى رسول اللّه ( ص ) ، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به ، وما خرج من أجله . وليس كل أصحاب رسول اللّه ( ص ) من كان يسأله ويستفهمه ، حتّى إن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابيّ والطارئ ، فيسأله ( ع ) حتّى يسمعوا ، وكان لا يمرّ بي من ذلك شيء إلّا سألته عنه وحفظته . فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم » « 1 » . وهذا ينفي ما ذهب إليه البعض من أنّ « الحدّ الفاصل بين نقاء الشريعة وظهور الوضع في الحديث ، هو سنة إحدى وأربعين فما بعدها ، حيث انتشر الوضع وازداد وتجرّأ الناس عليه فوضع أهل العراق أحاديث في ذمّ معاوية ، وكذلك فعل جهّال الشام حيث وضعوا أحاديث ذموا فيها أهل العراق . . . » « 2 » . نعم ، ربّما كانت حركة الوضع أقلّ ظهورا فيما قبل ظهور التحزّب الأموي في الشام ، ثمّ إنّه نشطت هذه الحركة ونمت واتّسعت بفعل السياسة الأموية عموما وعلى يد معاوية بشكل خاص ، كما سيأتي تفصيله . وكان من الأسباب الّتي هيأت الأجواء للوضع في الحديث ، سياسة المنع من تدوينه ، والّتي سار عليها الخلفاء بعد رسول اللّه ( ص ) واستمرت إلى أن رجعت الخلافة إلى علي ( ع ) ؛ إذ كان يحثّ كثيرا على الكتابة وتدوين العلم ، وكان هو السبّاق إلى ذلك ، إذ صنّف كتبا عدّة ، بعضها من إملاء رسول اللّه ( ص ) ، ومنها ممّا علمه في علوم القرآن ، ومختلف أبواب العلم وفقه الشريعة « 3 » .
--> ( 1 ) - نهج البلاغة / الكتاب / 210 . ( 2 ) - مباحث في تدوين السنّة / ص 15 . ( 3 ) - راجع للمزيد : تدوين السنّة النبويّة / السيّد محمّد رضا الجلالي / ص 134 فما بعدها .